RASSILNA SIJIL EZZOWAR KALIMATENA MAN NAHN




ما بكاء نيشان على أطلال العدل والإحسان؟!!



أبو جميل الحسن العلمي السجلماسي
جامعة ابن طفيل القنيطرة

مع نهاية سنة المآسي، التي خُتمت بحادثة «نكت نيشان» المستهزئة بالرحمن، وانهيار «خرافة العدل والإحسان» بشأن الحدث العظيم، إلا أن يكون «إعدام صدام»!! الذي فرح به الشيعة والأمريكان، طالعتنا الصحف بحوارات وتصريحات للقائمين على مجلة نيشان يتهمون فيها نقادهم في «موقع خرافة» بالخيانة والعمالة للنظام، ويتباكون فيها على أطلال جدار الصامتين المنهار، وينوبون عنهم في لعن خصومهم، ورميهم بنفس السخائم والشتائم التي ألفوا الرد بها على كل معترض ومخالف. يحيون بذلك عهد شعر النقائض، لأنه قد ضُرب بينهم وبين دلائل العلم بأسداد فكانوا أبعد عن السداد، فلا سبيل إلا انتحاء خِطة جرير القائل:

ولما وضعت على الفرزدق ميسمي *** وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل

ومن المعلوم أن الخلاف بين أهل السنة وأهل الأهواء قديم، وهو من سنن التدافع التي يدمغ الله تعالى فيها الباطل بالحق، (وَلَوْلا دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الَارْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة :251. وقد جرى أهل السنة دائما على تدبير الخلاف كما أمر الله بقواعد علمية، حفلت بها كتب المناظرات، وانمحت آثارها اليوم عند أهل الأهواء فصاروا لا يعرفون منها نقيرا ولا قطميرا ، والله تعالى يقول: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (سورة النساء :59( .

لكن زملاءنا في مجلة نيشان وأضرابهم في العدل والإحسان ليسوا من هذه الطينة في وِرد ولا صدر، حتى يردوا مواطن النزاع إلى أدلة الشريعة، ويُقارعوا الحجة بالحجة، لأن العصبية للرأي تصد عن ذلك، والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضا.

فقد سقطت أقنعة الحداثة المجترئة على الله ورسوله، وتهاوت معها الخِطة العلمانية العابثة بالمقدسات، كما انهارت معها خرافة العدل والإحسان مسجلة مع نهاية 2006 صمتَها العجيب الغريب، إزاء ما نُشر من استهزاء بالله ورسوله r والصحابة الكرام. لا لشيء إلا لأنها لم تكن في مقدمة المناهضين المثيرين للمسألة، لأن الذين أثاروها كانوا من خصومها، وهي جماعة تحرص على أن تكون دائمة متبوعة لا تابعة، وهذا سبيل من يعمل لحساب «الأنا» ومعادلة الأرقام، فقد انتُقد ياسين فقامت قيامة العدل والإحسان، واستهزئ بالله ورسوله فلم يحرك القوم ساكنا، نعوذ بالله من الخذلان !!

فهل يرون هذا مقدمة للحدث العظيم الذي أهيل عليه التراب؟!!، وقد بدأ القوم يُلوحون بعقيدة البداء التي يدين بها اليهود والشيعة، ومفادها «أن الله بدا له أن يُرجئ وعد 2006 إلى حين!!» تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا !!، وهي طامة أكبر من أختها، لأن فيها كذبا وافتئاتا على الله، لأن الله تعالى إذا وعد لا يُخلف الميعاد، ولم يثبت أن الله وعَد طائفة أو أحدا من الناس على غير لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكيف نُصدق الوعد الخرافي الذي تراءى للقوم في الأحلام؟ حتى نناقشهم فيما يلوحون به بعد انهيار خرافتهم من عقيدة البداء الباطلة!!. وعلى كل فشرع الله حَكَمٌ بيننا، وحديث رسول الله r وحُجة عليهم وعلينا: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». وعند الله يومئذ تجتمع الخصوم.

وسبحان من ألف بين الضب والنون في معركة المقدسات هذه، حيث قامت الحداثة النيشانية تدافع عن الخرافة الياسينة، وتلعن خصومها، وترميهم بالخيانة والعمالة لأجهزة المخابرات، وهي التي كانت بالأمس تتندر وتهزأ بما نُشر في موقع هؤلاء الصامتين تجاه هذه الفِعلة المريبة(1)، التي ما نراها إلا صنيعة شر شنيعة، يطرب لها الصهاينة وغلاة الشيعة. وما نرى إلا أن القوم افتضحوا فاصطلحوا، فبئس القرين!!.

أما رمي المخالفين بهذه التهمة فهو أهون سلاح في أيدي العاجزين عن الرد بعلم، والتبصر في الحقائق بأناة وحلم، وهو ما لجأت إليه جماعة العدل والإحسان من قبل، وقد جرت على ذلك منذ زمن بعيد، في انتحال هذه الأساليب في معاملة المخالفين، باتهام كل معترض، ورمي كل منتقد بالخيانة والعمالة للنظام، أو اتهامه في دينه وعرضه إن لم يُسعف الحال.

ثم جاءت اليوم مجلة نيشان لتكمل المشوار، وتشرع في محاكمة سياسية لأرباب الدار، ممن تراهم مجرد دُمى متحركة في أيدي أصحاب القرار. وتتساءل عن مصادر تمويل موقع الخرافة، وطباعة الكتب، ونشر الأشرطة. مع أن كلفة كل هذا لا تتجاوز ثلث ما تنفقه مجلة نيشان في إخراج عدد واحد قشيب، أو عُشر معشار ما أنفقته جماعة العدل والإحسان في استجمام شيخها الطبيب، ومرشدها الحبيب، في منتجعه الرحيب، فضلا عما تقاضاه من الشريف بين الويدان من عُلالة وصُبابة الجيب.

فلم يتجاوز ما أنفقناه في إعداد الشريطين وطبع الكتاب أجرة كراء شهر واحد للإقامة الياسينية الفارهة بدار السلام، دفعناها من حُر أموالنا الشخصية، ولم نتقاض ولله الحمد والمنة من أحد مليما على شيء، ومن كان عنده غير ذلك فليرفع للصحافة صك الاتهام، مع دليله بالحجة والبرهان.

والأمر بسيط ياسادة، وهو أننا ولافخر قوم نشأنا في أسر العفة والقناعة، ورُبينا في محاضن الدعوة الإسلامية التي تعلمنا في مجالسها كيف نحتسب عملنا لله، ولا نمد أيدينا لغيره سبحانه، ولسان حالنا ينشد قول القائل:

نضْـحُ بَحرين بغِربالَين *** وحفرُ بِئرين بإبرتيـن

وكنس أرض الحجاز في *** يوم شديد الهوا بريشتين

وغسل عبدين أسودين *** حتى يصيرا كأبيضيـن

ولا أقف بباب غيرباب *** الله ينضُب فيه ماء عيني

والفرق بيننا وبين خصومنا الحداثيين أننا قوم نتحرك غيرة لدين الله، والقوم لا يعملون إلا بدرهم ودينار، ولا يتحركون إلا إذا أزَّتهم دوائر الخطط السياسية أزاً، وكل يعمل على شاكلته.

وقد كان ذلك منذ الهجمة العلمانية في جريدة الأحداث المغربية على السنة النبوية مع بداية عام 2000م، في معركتنا مع خديجة البطار، وصنوها في الخزي والعار صاحب كتاب «أكثر أبو هريرة» ، بعد غزو كتب الشيعة للمغرب في معرض الكتاب، على مرأى ومسمع من كل المراقبين والخصوم الذين لم يحرك أحد منهم يومئذ ساكنا. فكتبنا مقالات وأصدرنا كتبا، منها «التشيع والعلمانية بالمغرب، وفتح الباري في الرد على المفترية على صحيح البخاري، والسهام الكاسرة لشبهات بوهندي الخاسرة» وحاضرنا في أندية وجامعات بعروض موثقة بالصوت والصورة تحذر الشباب المغربي من مغبة فكر الرافضة.

فلم تُحركنا حسابات سياسية، ولا نُصبٌ انتخابية، ولا أردنا بعملنا علوا في الأرض ولا فسادا، بل تعرضنا إثر ذلك بإيعاز وتحريض من المغرضين إلى مضايقات أمنية، وهجمة يسارية في الجامعة وخارجها لمحاصرة نشاطنا في الدعوة والبحث العلمي.

وقد سار أصحاب نيشان في هذا الصدد على نفس خطة العدل والإحسان، يرومون بالتلويح والرمي بالعمالة، والتساؤل عن علاقة هذه العُصبة القليلة العدد والعدة بأجهزة المخابرات، ليصرفوا الناس عن التضامن مع قضيتها الكبرى وهي الدفاع عن المقدسات الإسلامية، ونبذ الخرافة من مسار التفكير والتنظير في العمل الإسلامي الراشد. والله تعالى يقول «وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا» «سورة النساء: 111- 112».

فلسنا ندري من أي وعاء يَمتح هؤلاء؟!! ولو كانوا يريدون بعملهم نصرة الحقيقة كما يدعون، أو يبتغون به وجه الله والدار الآخرة لتأنوا وتبصروا، وسألوا إذلم يعلموا، إذن لأدركوا من جهة أصحابهم المقربين إليهم وجه الحق، ممن يعلمون علم اليقين أنه لا علاقة تربطنا بأي جهة أمنية، لأننا خُلقنا أحرارا، ونأبى أن نكون طوع بنان أحد، أو نأتمر بأمر لغير الله، وكيف يكون الأمر خلاف ذلك؟! وتاريخ معركتنا مع حماة العلمانية ودعاة الخرافة قديم، متقلب بين مد وزجر، يخف أحيانا ويشتد أخرى حسب حجم الموضوعات وحدة المسائل المثارة في منابر الإعلام.

وليس بيننا وبين زملائنا في نيشان أو إخوتنا في العدل والإحسان أي عداوة، كما يعرفه الخاص والعام، ولا نحرص أن نجعل منهم أعداء لنا في الدنيا والآخرة، إذ ليس بيننا وإياهم دنيا نصيبها، أو سياسة نقتسمها، ونحن إنما قمنا للرد على الأفكار ومخاصمة العلمانية والخرافة، لا لمعاداة الرجال. لكن من سوء حظك أن يكون خصمك أحمقَ، تريه السها ويريك الفراقد.

كما أننا لم نرتض مسلك الرد على الخطأ في الفكر والزلل في العقيدة بالعنف والدخول مع المخالفين في محن لا تنتهي، بل لقد آلمنا كما آلم كل حر ما تعرض له خصومنا من عسف وإفراط في استعمال السلطة. لأننا مثلهم من أبناء هذا الشعب نألم لما يألمون، ولا نرضي لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا. وقد تعرضنا مثلهم لسلسة من العسف والجور من لدن أدعياء حرية الرأي من سدنة اليسار، إذ أقدمت إدارة جامعة ابن طفيل في شتنبر 2005م على اقتحام مقر الوحدة التي أشرف عليها في الدكتوراه، وإفراغها من محتوياتها، وتحويلها إلى مقر لمسلك الفلسفة وعلم الاجتماع، في حين بقيت مقرات الوحدات المجاورة لوحدتنا تنعم بحريتها واستقلاليتها، لا لشيء إلا لأن حمزة في الدراسات الإسلامية لابواكي له.

علاوة المضايقات الأمنية التي تعرضنا لها عقب وشايات كاذبة من لدن بعض المرتزقة التقدميين الذين رد الله كيدهم في نحورهم وأخزاهم على أيدي من تملقوا إليهم!!

فأين ما يدعيه هؤلاء الذين يُضمِّدون جراحهم، ويرُومون سِتر سيئاتهم بالكذب ورمي المخالفين بالخيانة، وهم أول من خان الله ورسوله والذين آمنوا بإهانة المقدسات واتخاذها موضوع تندر واستهزاء، جريا على سنة المستخفين والمسيئين للملائكة والرسل والصحابة في مناماتهم التي رأوا فيها الأنبياء يغسلون أرجل أتباعهم، يتزلفون إليهم بذلك ليُدخلوهم في دعاء الرابطة، ورأو فيها الملائكة يحرسون بيت مرشدهم، وشاهدوا خلالها النبي r بوجه أسود، وما إلى ذلك من السخافات التي استنكرها العلماء، ومجها كل العقلاء.

وهذه نهاية سنة 2006م قد ولت مُدبرة تجر وراءها أذيال خيبة نيشان مع جماعة العدل والإحسان، وسارت مؤذنة بانهيار مملكة الخرافة التي بناها القوم في عالم الأحلام، تُكذب دعاواهم العريضة التي طالما طوح بها ياسين وأتباعه، وزعموا أنها بلغت عندهم «يقين اليقين»!!، وهي ما حبلت في بطنها سوى بالمآسي والمحن التي اكتوى المسلمون بنارها، من سفك دماء المسلمين بالعراق على يد الشيعة والأمريكان، إلى رسوم السخرية المسيئة إلى النبي r في الدانمارك، ثم تدمير البلاد وتقتيل العباد في لبنان، إلى هجوم بابا الفاتيكان على ملة الإسلام، وقد طم السيل على القرى بنكت نيشان!!.

فأين هو الحدث العظيم الذي زعم آل ياسين أن الله وعدهم إياه في مناماتهم «المتواترة»!! ؟ وأين هو «يوم الزينة» الذي سيُحشر الناس فيه ضحى –كما زعم منير الركراكي- ليشهدوا صدق ياسين وأتباعه، ويقفوا على كذب خصومه ونُقاده؟!، وأين هو طوفان ياسين و«سفينته نوح» التي صنعها بيده؟!! ليركبها من صدق بخرافته، وهولم يرفع رأسا في في نهاية هذه المآسي بشيء يقيم أود الأمة، أويسدد عوجها!!.

فاللهم لاشماتة، لكن ما ينفع نيشان بكاؤها على أطلال العدل والإحسان؟، لمغازلة السكارى بالخمرة الياسينة؟ أومحاولة جر بعض المغفلين للتوقيع على عريضتها في مواجهة محنتها العادلة. ) وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (.

وفي انتظار أن يراجع القوم مواقفهم، ويعودوا إلى جادة الصواب، أو يقدموا للمغاربة تفسيرا شرعيا صحيحا لما ركبوا لأجله الصعب والذلول، نسأل الله أن يلهمنا وإياهم السداد والرشاد، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

عشية عيد الأضحى

10 ذو الحجة- 30دجنبر 2006م


-------------------------

1- راجع مجلة Telquel 220 avril 2006






Lung Cancer
hitcounter





الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية
الحجم : 10.33 ميجا بايت         الحجم : 2.26 ميجا    الحجم : 19.8 ميجا